الأحد، 16 أكتوبر 2011

لا تعذليه ...رنين

قصيدة بعنوان (لا تعذليه)
للشاعر:ابن رزيق البغدادي

لا تعذليه فان العذل يولعه                  قد قلت حقا ولكن ليس يسمعه
جاوزت في لومه حدا أضربه             من حيث قدرت ان اللوم ينفعه
فاستعملي الرفق في تانيبه بدلا            من عذله فهو مضنى القلب موجعه        
قد كان مضطلعا بالخطب يحمله          فضيقت بخطوب الدهر أضلعه
يكفيه من لوعة التشتيت أن له             من النوى كل يوم ما يروعه
ما آب من سفر الا وأزعجه                رأي الى سفر بالعزم يعزمه
كأنما هو في حل ومرتحل                  موكل بفضاء الله يذرعه
والدهر يعطي الفتى من حيث يمنعه       ارثا ويمنعه من حيث يطمعه
استودع الله في بغداد لي قمرا              بالكرخ من فلك الازرار مطلعه
ودعته وبودي لو يودعني                  صفو الحياة واني لا اودعه
وكم تشبث بي يوم الرحيل                  وادمعي مستهلات وأدمعه
كم من قائل لي:"ذقت البين"قلت له:      الذنب والله ذنبي لست أدفعه
لا يطمأن لجنبي مضجع ، وكذا           لا يطمأن له مذ بنت مضجعه
ما كنت أحسب ان الدهر يفجعني          به ، ولا ان بي الايام تفجعه
حتى جرى البين فيما بيننا بيد             عسراء تمنعني حظي وتمنعه
بالله ييا منزل العيش الذي درست         آثاره وعفت مذ بنت اربعه
ومن يصدع قلبي ذكره ، واذا             جرى على قلبه ذكري يصدعه
لاصبرن لدهر لا يمتعني                  به ، ولا بيت في حال يمتعه
عل الليالي التي أضنت بفرقتنا           جسمي ، ستجمعني يوما وتجمعه
وان تغل أحد منا منيته                     فما الذي بقضاء الله نصنعه




أبو الحسن علي أبو عبد الله بن زريق الكاتب البغدادي.وهذه بضعة سطور تحكي لنا مأساة الشاعر العباسي ابن زريق البغدادي الذي ارتحل
عن موطنه الأصلي في بغداد قاصداً بلاد الأندلس ، عله يجد فيها من لين العيــــش
وسعة الرزق ما يعوضه عن فقره ، ويترك الشاعر في بغداد زوجة يحبها وتحبـه كل الحب ، ويخلص لها وتخلص له كل الإخلاص ، من أجلها يهاجر ويسافر ويغترب
وفي الأندلس - كما تقول لنا الروايات وا لأخبار المتناثرة - يجاهد الشاعر ويكافح
من أجل تحقيق الحلم ، لكن التوفيق لا يصاحبه ، والحظ لا يبتسم له ، فهناك يمرض
، ويشتد به المرض ، ثم تــكون نهايته في الـــغربة ؛ ويضيف الرواة بـــعداً جديداً للمأساة ، فيقولون أن هذه القصيدة التي لا يعرف له شعرٌ سواها وجدت معــــه
عند وفاته سنة أربعمائة وعشرين من الهجرة ، يخاطب فيها زوجته ، ويؤكد لها حبه حتى الرمق الأخير من حياته ، ويترك لنا - نحن قراءه من بعده - خلاصة أمينة لتجربته مع الغربة والرحيل ، من أجل الرزق وفي سبيل زوجته التي نصحته بعدم
الرحيل فلم يستمع إليها ، ثم هو في ختام قصيدته نادم - حيث لم يعد ينفع النــدم
أو يجدي - متصدع القلب من لـــوعةٍ وأسى ، حيث لا أنيـــس ولا رفيـق ولا معين .والمتأمل في قصيدة ابن زريق البغدادي لا بد له أن يــكتشف على الــــفور رقة التعبير فيهــا ، وصدق العاطفة ، وحرارة التجربة ؛ فهي تنم عن أصالة شاعـــر
مطبوع له لغته الشعرية المتفردة ، وخياله الشعري الوثّاب ، وصياغته البليغــــة
الــمرهفة ، ونفســـــه الشعري الممتد ؛ والغـــريب ألا يكون لابن زريق غير هذه القصيدة ، الذي لم تحفظ له كتب تراثنا الشعري غيــر قصيدته اليتيمة هذه

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق